ابو البركات

212

الكتاب المعتبر في الحكمة

الماء بالحفر فيما بعد ذلك الموضع . ويعتقد القائلون بالاستحالة ان البئر إذا حفرت فلم يوجد فيها ماء وتركت فوجد فيها ماء بعد مدة من حفرها قالوا لان الهواء فيها يستحيل ماء وانما ذلك يكون إذا انتهى الحفر إلى ارض ندية فيجتمع من نزّها ما يملأ حفرتها ولو انتهى إلى ارض يابسة لما استحال ولامتلأت بوجه من الوجوه ولو كان الامر كذلك لما نقصت الآبار صيفا وزادت شتاء عند ورود الأمطار وكثرت بكثرتها وقلّت بقلتها فان قعر البئر في الصيف أبرد منه في الشتاء فلم لا يستحيل في الصيف أكثر من الشتاء وماء البحر هو الماء الأصلي الباقي على احاطته والأرض المكشوفة كجزيرة أو جزائر فيه وسبب الجزائر مثل سبب الجبال من السمائى والأرضي ومرارة ماء البحر وملوحته من تأثير الشمس في تسخينه والرياح المموجة في مزجه بالارضية فتمرر الممتزج وتملح بحرارة الشمس وكذلك تتولد الاملاح في المعادن من مياه كدرة وقفت على ارض سبخة فاستحالت ملحا واختلاف الطعوم في مياه الآبار مع كون مادتها من مياه الأمطار هو لاختلاف تربتها فمنها ملحية ومنها زاجية ومنها شبية ومنها حديدية ومنها نحاسية ومنها كبريتية ومنها قفرية « 1 » ومنها عذبة لا طعم لها بحسب أراضيها ومجاريها والماء الخالص لا طعم له وانما تعذب المياه الجارية لأنها من الأمطار ويلطفها جريانها ولا تأثر فيها الشمس لأجله فان الماء الواحد لا يقف لقبول التأثير وقد عرفت ان التأثير يقبله المتأثر لسكونه لا لحركته والمتحرك لا يثبت لمؤثر واحد زمانا حتى يؤثر فيه . وجملة ما لا يؤثر لا يؤثر وأكثر الأنهار تجرى من الشمال إلى الجنوب لأنها تسيل من الجبال المثلجة ولأراضي الباردة الممطرة إلى الأراضي المنضة المستفلة وتصب إلى البحار حيث كانت أقرب واخفض . واللّه اعلم بالصواب .

--> ( 1 ) كذا